الاثنين 12 ربيع الأول 1443 هـ الموافق 18 أكتوبر 2021 م
إخراج الزكاة والنذور في سورية مع اختلاف قيمة العملة وسعر الصرف
رقم الفتوى : 232
الثلاثاء 2 محرّم 1443 هـ الموافق 10 أغسطس 2021 م
عدد الزيارات : 3790

إخراج الزكاة والنذور في سورية مع اختلاف قيمة العملة وسعر الصرف

السؤال:

أريد إرسال زكاة أموالي للمحتاجين في سورية، فكيف أقدّر المبلغ الواجب عليَّ بالليرة السورية مع اختلاف سعر الصرف بشكل مستمر؟

وماذا بخصوص مَن لزمته زكوات وكفارات ونذور قبل تغير قيمة العملة، كيف يخرجها الآن؟

الجواب:

الحمدُ لله، والصلاة والسلامُ على رسول الله، وبعد:

فمَن وجبت عليه الزكاةُ بإحدى العملات النقدية وأراد أنْ يخرجَها بالعُملةِ السُّورية، فإنه يُخرج قدرَ قيمتِها السُّوقية يوم إخراجِها للفقير، ولا يَحسم منها شيئًا يتعلّق بأجور التحويل والنّقْل، ومَن لزمتْه زكاةٌ أو نذرٌ قبل انخفاض العملة السورية: عليه المبادرةُ بإخراجِها الآن، ويُخرج قدرَ قيمتِها مِن الذهب أو مِن العملات النقدية المستقرة كالدولار -مثلًا- يوم وجوبها عليه، وفيما يلي تفصيلُ ذلك:

أولًا:

لا حرج في إخراج زكاة المال بالليرة السورية لمن وجبت عليه بإحدى العملات النقدية الأخرى، ويكون تقديرُها بسعر الصرف يوم الإرسال، ويتنبه لأمور:

1- المعتَدُّ به عند الصَّرفِ: القيمة السُّوقية الحقيقية؛ لأنَّه الواجبُ المتعلِّقُ بذمّة المزكِّي، لا بما تحدّدُه بعضُ الشركات أو المؤسسات الرسمية أو التجار الذين يحوّلون بسعرٍ أقلَّ مِن القيمةِ الحقيقية، ويعُدّون الفرقَ ربحًا لهم، أو يُضمّنون سعرَ الصّرفِ أجرةَ التحويل.

ولذا يلزم المزكيَ جبرُ هذا النَّقصِ بالليرة السورية.

قال خليل مِن علماء المالكية في مختصره: "وجاز إخراجُ ذهبٍ عن وَرِق (فضة)، وعكسه، بصرفِ وقتِه مطلقًا".

وقال الخرشي في شرحه على مختصر خليل: "الإخراجُ مقدَّرٌ بصَرْفِ وقتِه...، فإذا وجب عليه دينارٌ، فأراد أن يخرجَ عنه فضةً فليُخرجْ صرفَه في ذلك الوقت".

2- إذا تأخّر تسلُّم الفقير للزكاة وحَصَلَ تغيُّرٌ في قيمة العملة بين وقت الإرسال ووقت التّسلُّم: فإنّ المزكيَ يتحمّل هذا الفرقَ كاملًا؛ لأنّ ذمتَه لا تبرأ إلا بوصول الزكاةِ كاملةً إلى الفقير.

3- كافة التكاليف المترتبة على التحويل يتحملها المزكي، ولا يجوز اقتطاعُها مِن الزكاة؛ لأنّ عليه مؤنةَ تسليمِها لمستحقِّها كاملة.

قال العزُّ بن عبد السلام في الغاية في اختصار النهاية: "لو نقلها المالكُ: لزمه مؤونةُ نقلِها، ولو تلفتْ في الطريقِ لم يبرأ منها؛ لأنَّها لا تصيرُ زكاةً ما لم يقبضْها مستحِقُّها أو نائبُه".

وقال المرداوي في الإنصاف: "أجرةُ نقلِ الزكاة – حيث قلنا به – على ربِّ المال".

4- يجوز لمستحقِّ الزكاة توكيلُ مَن ينوب عنه في قبضِ الزكاة خارجَ البلد، وفي هذه الحال يتحمّل الفقيرُ نفقاتِ التّحويل وفرقَ سعرِ الصَّرفِ إذا صرفها وكيلُه بعد تسلّمها؛ لأنَّ مالَ الزكاة دخل في مِلكِه كاملًا.

ثانياً:

إخراجُ الزكاة واجبٌ على الفور، ولا يجوز تأخيرُها عن وقتِ وجوبها إلا لحاجةٍ أو مصلحةٍ معتبرة.

قال النووي في المجموع: "يجب إخراجُ الزكاة على الفور، إذا وجبت، وتمكّن مِن إخراجِها، ولم يَجُزْ تأخيرُها، وبه قال مالكٌ وأحمدُ وجمهور العلماء؛ لقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} والأمرُ على الفور".

وقال ابنُ قدامة في المغني: "وتجب الزكاةُ على الفور، فلا يجوز تأخيرُ إخراجِها مع القدرةِ عليه، والتمكّنِ منه، إذا لم يخشَ ضررًا".

ويجب على مَن أخّرها بغير عذرٍ: التوبةُ، والمبادرةُ بإخراجِها عن كلِّ ما مضى مِن السِّنينَ.

عن ابن عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما، عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: (... فدَيْنُ اللهِ أحقُّ أنْ يُقضَى) متفق عليه.

في الموسوعة الفقهية: " إِذا أتَى على المكلَّفِ بالزَّكاةِ سِنُونَ لَمْ يُؤَدِّ زكاتَه فيها وقدْ تمَّتْ شُروطُ الوُجوبِ، لَمْ يَسقطْ عنه مِنها شيءٌ اتِّفاقًا، ووجبَ عليهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكاةَ عن كُلّ السِّنينَ الَّتي مَضَتْ ولَمْ يُخرِجْ زَكاتَه فيها".

ثالثاً:

يجب إخراجُ الزكاةِ الفائتة بقيمتِها يوم وجوبِها؛ لأنه مُعْتَدٍ على حقِّ الفقير بهذا التأخير، فهو شبيهٌ بالغاصب؛ فيضمن كلَّ نقصٍ حصل في قيمتِها.

فمَن وجبت في ذمّتِه زكاةٌ قبل عشرِ سنينَ بملغ عشرة الآف ليرة سورية وكانت تساوي ذلك الوقت (200) دولار، فإنه يخرج الآن مِن الليرة السورية ما قيمتُه (200) دولار.

قال الشيرازي في المهذَّب: "فإنْ أخَّرها، وهو قادرٌ على أدائها: ضمنها؛ لأنه أخّر ما يجب عليه، مع إمكانِ الأداء فضمنه، كالوديعة".

وقال النووي في المنهاج: "وتأخيرُ الزكاة بعد التمكّن يوجب الضَّمانَ".

وذلك لأنه قصّر بحبْسِه الحقَّ عن مستحقِّه، فيلزمه أنْ يؤدّيَ ما كان يؤدّيه قبل تغيُّرِ قيمةِ العملة النّقدية.

رابعًا:

مَن وجب عليه نذرٌ قبل انخفاض قيمةِ العُملةِ النَّقْديةِ ولم يخرجْه:

-فإن كان المنذورُ شيئًا عينيًا، كطعامٍ أو كسوةٍ أو حيوان ونحو ذلك: لزمه أن يؤدَّيَه كما نذر مهما كان سعرُه وقيمتُه.

-وإن كان الواجب عليه ورَقًا نقديًّا، وتأخّر في الوفاء حتى تغيرتْ القيمةُ تغيرًّا كبيرًا -يزيد عن الثلث- فالأحوطُ والأبرأ للذّمّة أن يخرجَ النذرَ بحسب قيمتِه الآن، وإن اختار أن يخرجَ القدرَ الذي سمّاه مِن المال دون زيادةٍ لضيق الحال أو غير ذلك مِن الأعذار، فنرجو أن يسَعَه ذلك؛ لأنّ حقوقَ الله قائمةٌ على المسامحة.

وأمَّا الكفارات وزكاة الفطر فلا تتأثر بتغيّر قيمةِ العملة؛ لأنّ الواجبَ فيها إما الإطعامُ أو الكسوةُ، دون نظرٍ إلى قيمتِها.

وأخيرًا:

ينبغي للمؤمنِ أن يبادرَ ويسارع في إبراء ذمّتِه وأداءِ ما وجب عليه امتثالاً لأمر الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}، ولا ينبغي التأخير، فإنّ العوارض كثيرة، والقواطع متعددة.

والله أعلم.