الاثنين 30 صفر 1444 هـ الموافق 26 سبتمبر 2022 م
أول النصر : توازن الرعب
الثلاثاء 19 رمضان 1433 هـ الموافق 7 أغسطس 2012 م
عدد الزيارات : 20874

يُعدُّ بث الرعب في صفوف الأعداء من أخطر الأسلحة الذي تستخدمه الجيوش في صراعاتها حتى الوقت الحالي، سواءً عن طريق بثَ الشائعات، أو الممارسات الإجرامية كالإمعان في القتل، أو التمثيل بالجثث، أو استخدام الأسلحة شديدة التدمير ونحو ذلك، والهدف إيقاع الهزيمة النفسية، تمهيداً لإيقاع الهزيمة الفعلية بهم.

 

 


بل إنَّ إرهاب العدو قد يغني عن الشجاعة، فقد سئل أحد المقاتلين عن سبب اشتهاره بالشجاعة، فقال: كنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة التي يطير لها قلب الشجاع فأثني عليه فأقتله!
وإذا أحس العدو بضعف الأمة استخف بها، فاستباح حرماتها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ في قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ) رواه أبو داود.
لذا أرشدنا الإسلام إلى السلاح الذي يضمن خشية عدونا لنا، فلا يتجرأ على التفكير في الاعتداء على حرماتنا، إنه إعداد العُدَّة لبث الرهبة في قلوب الأعداء، وهذا من توازن الرعب المطلوب: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: 60].
العمليات النوعية ودورها في إحداث الرعب:
من أهم يرعب العدو ويؤثر في تماسكه: العمليات النوعية (الاستراتيجية) التي تضربه في أماكن قاتلة وتعطي نقلة نوعية للمعركة، ولا يشترط أن تكون هذه العمليات كبيرة، أو عدد المشاركين فيها كثيرًا، فالعنصر الأهم فيها هو (الهدف)، إذ يمكن للعمليات الصغيرة المحدودة أن توقع الرعب في العدو، وتشل مفاصله أو تثير فيها الاضطراب، ومن ذلك: ما قامت مجموعة صغيرة من جنود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية من تدمير غواصة ألمانية متطورة في حوض بنائها، وهي التي كان يتوقع  لها أن تفرض السيطرة على المحيط الأطلسي وتمنع نقل القوات والأسلحة والذخائر، فكان تدميرها ضربةً قاصمةً لهذه الخطة الألمانية.
وتظهر أهمية اللجوء للعمليات النوعية (الاستراتيجية) في حال قلة عدد المقاتلين أو ضعف تسليحهم، فيمكنهم تعويض ذلك بهذه العمليات التي تعتمد على العنصر الاستخباري بالدرجة الأولى، وانتقاء الأهداف _الشخصية أو العسكرية_ بعناية، مما يؤدي إلى إيقاع أكبر الخسائر بأقل الإمكانات، وإثارة الهلع والشك بسبب نجاح اختراق الحصون الأمنية، وينذر ببداية تفكك منظومة العدو الأمنية.
فقتل ضابط أو مجموعة من الضباط الكبار أشد أثرًا من قتل مئات صغار الجنود، الذين سرعان ما ينفرط عقدهم بذهاب قيادتهم، أو شكهم في تماسكها، وقطع خطوط الإمداد أو تركيز العمليات على مواقع حساسة يعطي من النتائج ما لا تعطيه عشرات عمليات التفجير والاقتحام لأهداف صغيرة.
كما أن في هذه العمليات تسلية للناس بإصابة عدوهم بمثل ما يحاول فعله بهم، ودعمًا لهم على الاستمرار في المعركة، وتشجيعًا للمترددين في الانضمام لصفوف المقاومين، مما يخلق توازنًا للرعب بين النظام المستبد والشعب الثائر، وهذا بداية النصر إن شاء الله.
وصدق الله القائل: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [براءة: 14_ 15].

المقالات المنشورة هي لأعضاء الهيئة، وتعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة